إستعادة للإجازة

نحن كائنات صلبة وليست مائية .. لا نأخذ شكل الإناء الذي نوضع فيه بل نحتاج لإعادة تشكيلنا حتى نتكيف ونلاءم الزمان والمكان الذي نحن فيه.. “طين” كما خلقنا الله.

مثل كل البشر، أواجهه صعوبة في التكييف مع مستجدات حياتي، في بداية كل إجازة أواجهة صعوبة في التكيف والإنغماس وحتى الإستمتاع بها والتي حالما أبدأ الشعور بها لا أجد إلا أن الإجازة أشرفت على الإنتهاء، وأنه حان وقت العودة للتكيف السابق الذي بدوره يحتاج تكييف جديد ولا أحقق التكييف الجديد هذا إلا بنهاية الفصل الدراسي الأول، وهذا ما يفسر إنخفاض درجاتي في الفصل الأول عن الفصل الثاني لاني مازلت في “مود” الدراسة.

 ولكن هذه المرة مختلفة فمر أكثر من شهر ونصف من الإجازة وأنا في “موود” الدراسة. تصفح الأيميل كل ساعة، ترتيب المكتب كل صباح، تجهيز الملابس منذ الليل، قائمة برامج السوشيال ميديا محذوفة من هاتفي لأنني أعتقدت أنها تشتت ذهني، قضاء غالبية اليوم في القراءة المكثفة والتلخيص والبحث، وعدم تحقيق أي شيء ممتع يذكر؛ حتى أنني لم أشاهد مسلسلاتي والتي كانت في قائمة “ماذا سأفعل إذا بدأت الإجازة؟”، في البداية تعذرت ببطئ سرعة  الإنترنت وهو ما يمنعني عن مجاراة العالم .. ثم بدأت بتصفح كتبي الدراسية والقيام بدراستها! ولم أفهم سبب تصرفي هذا .. لماذا أدرس في الإجازة؟ فلم أكن يومًا بهذا الشكل من “الدفارة” وأعرف الحد الفاصل بين “المعرفة” والمطالعة والتي هي من هواياتي في الأساس وهي ما يتطور به الفرد ذهنيًا ووجدانيًا وبين “الدراسة” التي لا تبدو أكثر من حشو معلومات لتحقيق درجات. كيف وصلت لهذه المرحلة الروبوتية ولتي لم أكن سابقا قد وقعت في فخها. ففي السابق كنت أنتظر الإجازة بفارغ الصبر حتى أسرح وأمرح وأرسم. أردت أن أفهم كيف أتخلص من هذا الوضع السجني، وبدأت التحليل:

كنت أدرس ثلاثة مواد بطريقة تنافسية مباشرة كأفراد وكمجموعات، غالبًا يتم عرض الدرجات والمقارنة العلنية. ومع أنني ومنذ البداية، ومنذ شرح خطط المقررات وكيفية التقييم ، أعرف كم أكره المنافسة وكم أكره أن تتم مقارنتي.. لأنني وبببساطة أؤمن أن كل شخص مختلف وأننا حينما نظهر ضعفًا في مكان معين، فإننا نُظهر قوة في مكان ومادة أخرى، أننا ذو مواهب وقدرات مختلفة ومتنوعة، من يبرع في البرمجة قد لا يبرع في القيادة، ومن يبرع في الرسم قد لا يبرع في التشريح، كنت أرى أن المنافسة غير مجدية ولعب آطفال، وأي مكان للتنافسية مكان مزور لإثبات الذات، مكان يبنى على أساس وهو أن الآخرين أفضل مني ويجب علي أن أثبت العكس، مكان يجعلك تكره نفسك ولا تفكر إلا بالتحطيم. مع كل ما كنت أؤمن به، كانت حييل المنافسة أقوى مني ووقعت في شباكها. تبرمج عقلي منذ وقت طويل على الحفظ والفهم وجُعلت تلك العادات لا إراديًا من خلال المنافسة  شكلًا من أشكال تحقيق الذات ونقاط لا بد من كشطها و كل مالا يتعلق بالدراسة غير ذا أهمية.

 بالأمس فقط فهمت حالتي النفسية المنفصلة عن العالم، أردت وبشدة التخلص من القلق الملازم بلا سبب وكأنني سآخذ إختبار مصيري، من عدم المبالاة الذي أشعر به، من الطقوس المملة المتعلقة بالدراسة، والأهم إنعدام الأحاسيس، فلم يكن أي شيء يجلب لي السعادة وكنت أضحك على آسخف الأشياء، في المقابل لا شيء محزن كذلك. والأهم فرط الحديث مع النفس، فلا شيء واقعي وأشعر أنني برحلة طويلة الأمد. آستيقظت من كابوسي حينما لم أستطع التوقف عن التفكير في حل مسائل التفاضل والتكامل، وأردت وبشدة كتابة ملخصات لها. التفت حولي ومن أمامي لأرى أن حوائط غرفتي أمتلأت من ملصقات “القوانين”. أغلقت الحاسوب، بدآت بإنتزاع كل الملصقات، وأحضرت ورقة وقلمًا وكتبت خطة لما سوف أفعله إذا بدآت الدراسة : كيف سيكون شكل دفتري، متى سأقرآ الدرس قبل أم بعد المحاضر ؟ من أي موقع سأحصل على المساعدة إذا علقت !! كتبت لأني أردت أن أتخلص من تلك الأفكار الدراسية الغبية.. أنا في إجازة والأهم في العشرة الأواخر من رمضان مع ذلك مازلت أشعر أني وبعد دقائق سأذهب إلى الجامعة وأتصرف تبعًا لذلك … جمعت الملصقات والخطط في ملف كبير ورميت بها وبجميع الكتب الدراسية في صندوق، رميت جميع أقلام الرصاص والحبر والفلاش كاردز والستيكي نوتس وكل ماله علاقة بالجامعة وأخرجت الصندوق من الغرفة. الحديث الشفهي الغير منقطع مع نفسي أصبح مزعجا على عكس ما كان يبدو.. لذا اردت التوقف ولم أستطع، أتصلت على أختي ولم تجب. أحضرت كمية ألعاب من غرفة أختي المجاورة، أخرجت دفاتري وألواني المهجورة والتي بدت وكأنها فقدت الأمل. قمت بتحميل برامج التواصل الإجتماعي من جديد وهذه المرة أعرت إهتمام مبالغ لما وضع أصدقائي فيه.. أهكذا يخرج الناس من وحدتهم، من كآبتهم ؟ حينما يشاركون ويعبرون بصور وعدة أفكار..

في اليوم التالي لما حضرت أختيو أخبرتها عن أتصالي وقلت لها : باركي لي! لقد أستعدت نفسي.. كنت أشعر وأنا أرتب غرفتي بالأمس أن طاقة تعود إلي من السماء واني أردت البكاء بالفعل، تخلصت من سجني..

وكانت أختي رائعة في التجاوب مع ذلك ونصحتني بأن أملأ غرفتي بالنباتات الطبيعة وأن أتبنى حيوانًا أليفًا.. سمكة مثلًا 🙂

وكما قلت في البداية، خُلقنا من طين، والطين قد يكون سلسل ومرن وقد يكون قاسي، حافظ على مرونتك، إخلق لك ألف جو .. أعرف ما يحييك وما يميتك ويسكرك، أعرف أهميتك وأهمية صحتك وحافظ عليها..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s