تلك العتمة الباهرة – مراجعة كتاب

“الوجع يمنحني صفاءً غير معتاد. أتألم ولكني أعلم ما الذي ينبغي فعله لكي تتوقف هذه المكيدة. يجب أن أتقّيأ، أن أستفرغ كل هذه المِرّة التي تنصبُّ على أعضائي كلها. عندما يكون واحدنا في صحة جيدة تبدو مثل هذه العملية لعبة أطفال. ولكن حين يكون الجسم موجوعاً حتى التصلُّب تصبح كل حركة شاقة. أجلس مُتكئاً بظهري على الحائط، ذراعي اليمنى مشلولة، ملتصقة بالحائط، كأنها مثبته إليه بكُلاّبات. يجب أن أنزعها متمهلاً وأرفعها بحركة مُدرّكة إلى فمي. إنه أمرٌ يسير إذا قلته، لكنه من سابع المستحيلات إذا حاولته. أُركّز وعيي ولا أفكّر إلا في الذّراع، كل جسدي أصبح الآن موجوداً في تلك الذّراع”

بهذا الوجع إستطاع بطل الراوية المُعتقل “عزيز”، في حفرة صغيرة لا يتخللها ضوء، أن يوجهه تركيزه على شيء آخر يختلف عن ماضيه وعن حاضرة. ولأنه لا يدري كم من الوقت سيلبث في تلك الحفرة منقطعة النظير، قرر أن يتكيف على أنه مات بالفعل في الماضي وأنه الآن شخص مختفل كليًا، واذا عاد بالفعل إلى حياة الضوء خارج المُعتقل فسوف يكون شخصًا جديدًا مختلفًا، حاول مثلًا أن يصرف باله في التأمل، أن يتحكم في ألمه الجسدي. فلجأ إلى ممارسة اليوغا. التي التقطها بطريق الصدفة من الكتب التي قيض له أن قرأها في حريته. تمكن له أن يصل إلى تحكم نسبي، لكنه مكنه من أن يركز اهتمامه على شيء آخر غير الألم، وكانت النتيجة مقنعة أو تكاد حسب وصفه.

.

أما عن الرواية فهي رواية عن أدب السجون تحكي الأحداث الواقعية عن مأساة مجموعة من العسكريين الذين تورطو أو اتهموا بتنفيذ محاولة انقلاب الصّخيرات على الملك الحسن الثاني في عام 1971. وتم حبس العسكريين والبالغ عددهم ٢٣ مُعتقل في حبس إنفرادي اشبه بحفر صماء تحت الأرض، بعيدة عن النور، وحتى مدة حبسهم لم تكن معلومة، إفتقدوا ابسط متع الحياة فلم يقدم لهم سوا الماء الذي يشكك في نظافته وصحته، والنشويات وهي قطعة من الخبز القاسي جدًا والتي تمنحهم أقل مستوى من الطاقة لأن الحكومة بذلك الوقت ارادت لهم أن يموتوا، موت بطئ. فيموتون واحدًا تلو الآخر، سواء بالجنون أو الإضطرابات المعوية، الأمراض العضلية، وكان من الممكن لكل واحد منهم أن يعيش بتلك الأجساد الجبلية الضخمة للعسكريين لو تم منحهم حبة عقار واحدة أو مساحة للتنفس والتحرك. مع ذلك البطل “عزيز” يبدي تكيفًا غير معقول في هذه الحفرة، وكأنها معجزة للجسد البشري!!

.

.

 رواية تنقل معاناة وتقدير للأشياء البسيطة التي نُبخس من حقها، كالرداء النظيف الذي حاول بطل الرواية أن يبقية نظيفًا طوال سنوات العزل، و أكتشاف المعتقلين لحلقة من الحديد في نهاية المكنسة التي تُرمى عليهم من قبل الحراس ليصنعوا منها المعجزات : كشفرة حلاقة وأداة لقص جلابيب المتوفين منهم ليتوارثها المتبقون. عظم الصلاة والتأمل والتمارين البسيطة التي ادوها انقذتهم. 

ثم تمر ١٥ سنة والأمل باقي مع أحدهم الذي يقوم بتسريب ورقة بواسطة أحد الحراس إلى زوجته ليخبرها عن معاناته، ويأمل أن تخبر العالم أجمع عن مكانهم، ويبقى أمل الخلاص باقيًا.. تتحسن معاملة الحراس الوحشية أخيرًا قبل الإفراج عنهم. ولكن بعد أن بقي ٤ منهم على قيد الحياة!! 

عزيز، في آخر فصل في الرواية عندما يتم الإفراج عنه، يولد من جديد ويولي إهتمام أكبر لتفاصيل كثيرة مثل صنابير المياه الموجودة في منزل عائلته، الماء النظيف، الطعام المتكامل المكون من البطاطا والدجاج والخضار والرغيف ويبدي صعوبه بالغة في التهامه، يضل يستلقي على الأرض مع وجود المطارح القطنية ويتكور على نفسه كطفل، لم يتقبل الحفل ولا الهدايا التي سوف تقام له بمناسبة عودته.. لم يتعرف على أخته الصغرى وبالكاد عرف ألأخ الأصغر له.  

تسرب خبر السجن والممارسات اللاإنسانية فيه إلى منظمة حقوق الإنسان في فرنسا في حين كانت السلطات المغربية تنفي طيلة تلك المدة وجود معتقل بهذا الاسم فوق أراضيها. وإثر الضغوط الدولية إضطرت السلطات المغربية إلى إطلاق سراح ما تبقى من السجناء ومن ثم ردم السجن وإنشاء حديقة فوق أرضه تخفي تماما معالم الجرائم اللاإنسانية التي كانت تتم داخله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s