مراجعة كتاب: فن اللامُبالاة

لا يولد الناس بحيث لا يهتمون بشيء. إننا مَخلوقون على نحو يجعلنا نولي إهتمامًا لأشياء أكثر مما يجب بكثير. فعندما كنا صغارًا كان كل شيء جديرًا بالإهتمام، نهتم بألوان بالونات يوم الميلاد، ومن يتصل بنا ومن لا يتصل، ونبدي إهتمامًا بما يقوله الناس عنا. ومع تقدمنا في السن ندرك أن ما كنا نوليه إهتمامًا ليس ذو أثر حقيقي دائم في حياتنا وعلى نحو غريب تكون هذه “اللامبالاة” نوعًا من أنواع التحرر بالنسبة إلينا. ونصبح أكثر إدراكًا لقدراتنا المحدودة والتي لن نحقق بها إنجازات اسطورية وبالمقابل نصبح أكثر إهتمًامًا بما يستحق مثل العائلة والأصدقاء. فيقول الكاتب: أن النضج هو ما يحدث عندما يتعلم المرء ألا يهتم إلا بما يستحق إهتمامه. قد يمر عليك بعض الأشخاص الذين ينفجرون غاضبين على أمور تراها ليست ذي شأن ومن الممكن أن يتم تجاهلها ببساطة= لشراء راحة الدماغ. ومن هذه الأمور مراقبة الأخرين، التعليق على تصرفاتهم وإطلاق الأحكام عليهم. أو الإنفجار غاضبين على من يتأخر في خدمتهم في البقالة أو حين يرفض المحاسب قبول كوبون خصم معين. هؤلاء الأشخاص مشكلتهم هي أنهم يبالون بأشياء متعددة أكثر مما يجب، فهم ليس لديهم شيء أكثر أهمية/ أو جدارة وقيمة حتى يكرسون وقتهم وطاقتهم وإهتمامهم عليه. 

إن العثور على شيء هام وحقيقي ليشغل حيز إهتمامًنا وتفكيرنا قد يكون أفضل طريقة لإستخدام الوقت والطاقة. وذلك من خلال عمل “فلترة” لما هو  “مُهِم” وماهو :غير مُهم” وتجنب ملئ الإهتمام بقضايا تافهة وعابرة. فإذا وجدت نفسك، وعلى نحو متكرر، تمنح إهتمامًا أكثر مما يجب على أشياء ثانوية مثل صورة صديقك الجديدة، ضعف بطاريات جهاز التحكم، مالذي يرتديه الأخرين. فإن من المحتمل أنك تعيش حياة فقيرة ليس فيها ما يستحق الإهتمام. 

إن فن اللامبالاة هو عدم في عدم المبالغة في الاهتمام بأشياء كثيرة، ليست إلا طريقة بسيطة في إعادة توجيه آمالنا وتوقعاتنا في الحياة الى ماهو هام وماهو غير هام. 

لابد من المعاناة

ذكر الكاتب قصة لأمير تجسد المعنى من المعاناة. كان هناك ملك يحكم سفوح جبال الهمالايا. رزق هذا الملك بطفل وكانت فكرة الملك هي أن يجعل حياة الطفل كاملة وان لا يقيس هذا الطفل أي نوع من أنواع المعاناة، وأغدق عليه بالهدايا وأطياب الطعام، ولفه بالخدم وشيد حوله الأسوار العالية. فـ كبر هذا الطفل ليصبح شابًا جاهلًا بكل ما يتعلق بقسوة الحياة. وأصبح يشعر أن كل تجربه يمر بها تجربة فارغة. بعد تجربة الخروج الى الشارع ومشاهدة جميع انواع المعاناة مثل الفقر والمرض، قرر الشاب ان يترك القصر وان يتنازل عن وضعه الملكي، وان يخرج والا يعود وبالفعل هرب من القصر وعانى الفقر والجوع والمرض والوحدة والضعف، وصار يعرف أن المعانة أمر سيء جدًا وان الألم والخسارة أمران لا مفر منهما وعلينا ان نقلع عن محاولة تجنبهما وأن هذه المعاناة هي الوساطة المفضلة لدى الطبيعة من أجل الحث على التغير. لقد نشأ جنسنا بحيث نعيش دائمًا قدرًا من عدم الرضا ومن إنعدام الأمان لأن ذلك أحد السبل لتجديد وضع حالنا ودفعنا نحو التغيير. 

مثال: يرغب معظم الناس في الحصول على المكتب الأفضل وفي الحصول علي الأجر الأفضل ولكن الأشخاص المستعدين لمعاناة أسبوع عمل من ستين ساعة، ومن السفر مسافات طويلة إلى أماكن العمل، ثم الغرق في أكوام من العمل والأوراق وفي التسلسل الوظيفي العشوائي في الشركة للإفلات من قيود لا حصر لها، يفرضها الجلوس في حجرة المكتب الصغيرة ليسو كثيري العدد على الإطلاق. النتيجة والسعادة تتطلب نضالًا من اجلهما وانها ثمرة مصارعة المشكلات. تحدد الإجابة على السؤال ” من أنت” بما أنت مستعد للصراع من أجله. 

تأتي السعادة من حل المشاكل 

“تأتي السعادة من حل المشكلات. الكلمة المفتاحية هي “الحل”. إن كنت تتجنب مشاكلك أو تحس كما لو أنه ليست لديك أية مشاكل، فإنك في سبيل ان تجعل نفسك إنسانًا بائسًا. واذا رأيت أن لديك مشاكل لا تستطيع حلها فإنك ستجعل من نفسك انسانًا بائسًا. الخلطة السحرية هي في حل تلك المشاكل، وليس في عدم وجود مشاكل في حياتك.” و ” يجب أن يكون لدينا شيء نحله حتى نكون سعداء. فالسعادة شكل من أشكال الفعل، إنها نشاط وليست شيئًا يأتينا ونحن في حالة سلبية متلقية فقط.” و”السعادة عمل يتقدم بإستمرار لأن عملية حل المشاكل هي عملية مستمرة” 

انتقي معاركك بعناية

أتاحت وسائل التواصل الإجتماعي لأي شخص أن يبدي إمتعاضه واستياءة من أي شيء لا يعجبه وان يطرح وجهة نظره بكل حرية،  إنتقادات مثل لماذا يتم تطبيق هذا القانون علينا.. لماذا يتم ادراج هذا الاختبار في الجامعة ..! إلإعلام يتغذى على هذا الامتعاض ويشجع ردود الأفعال القوية لأي وجهة نظر أو فكرة أو قرار، وهذا الإمتعاض يخلق وينشأ عند صاحبة شعور الضحية وأنهم فئة في كومة بعيدة مظلومة ويقع عليها الظلم أو العنصيرية أو التميز أو ايًا يكن. وينسى الناس ان جزءا من تعايشنا كـ مجتمع ديمقراطي هو تقبل وجهات النظر حتى التي لا تعجبنا. لذا يقول الكاتب:

“علينا أن ننتقي معاركنا بعناية وانتباه، وان يكون لدينا شيء من التفهم للطرف الآخر، أي لذلك الذي ندعوه عدوًا لنا. علينا أن نتعاطى مع الأنباء ووسائل الإعلام بالقدر الصحي من التشكيك وأن نتجنب طلاء من يختلفون معنا بلون موحد داكن. علينا أن نضع قيَم الصدق “والشفافية والترحيب بالشك في مكانة متقدمة على قيم الصداقة 

أنت مخطئ في كل شيء

عندما ننظر إلى أنفسنا في الماضي ننظر إلى ما كُنا نعتقده صائبًا واثبتت لما الأيام خطأ اعتقاداتنا، عندما تنظر الى الماضي وترى عيوبًا واخطاءا فهذا دليل أنك تنمو وتتطور. إن النمو عملية ترابطية متكررة لا نهاية لها. نحن لا ننتقل من خطأ إلى صواب عندما نتعلم شيئا جديدًا، بل إننا ننتقل من “خطأ” إلى خطأ لكنه أقل بمقدار خفيف.. نحن في عملية إقتراب من الحقيقة ومن الكمال من غير أن نصل أبدًا إلى تلك الحقيقة أو إلى ذلك الكمال، فلا وجود لعقيدة صائبة أو أيدلوجية كاملة. الموجود فقط هو ما تجعلك تجاربك تراه صحيحًا بالنسبة إليك. 

هنالك هاجس لكثير من الناس أن يكونوا على صواب في حياتهم إلى حد يجعلهم لا يعيشون تلك الحياة أبدًا. إنهم خائفون من الفشل، أو من الرفض، أو من وجود شخص يقول لها “لا”. ولذا من الأسهل عليهم أن يظلوا جالسين في أماكنهم ويتبنون قناعات ثابتة وضد التغيير. قناعات مثل لن احصل على ترقية اذا لن احاول. وزني لا ينزل لن احاول. لست جذابًا. هذه القناعات تعطي قدر معين من الراحة لكنها تضحي بجزء كبير من السعادة في وقت لاحق. اليقين المحض عدو التطور، اي شيء لم يحدث يعتبر شيئا قابلا للحل و للجدل. 

التجنب 

يقول قانون مانسون :” يتوسع العمل حتى يملأ الوقت المخصص لإنجازه.”. ينطبق قانون مانسون على كل شيء تقريبًا، فيمكن لنجاحك أن يسبب خطر على هويتك مثلما يسبب فقدانك وظيفتك خطرًا عليك لأنه بالنسبة لنا خطر على ما نحن مقتنعون به في ما يتعلق بأنفسنا. فقد يتجنب الناس المغامرة وتجريب ماهو مألولف لهم خوفًا من زن صورة الفشل قد تؤثر في انفسهم وذكر الكاتب قصة صديقه الفنان الذي لم يجرأ على إطلاق موقعه الإلكتروني وضل واقعًا في التسويف في إنشاء الموقع وتفاصيل الموقع لأنه كان يخشى أن يصير فنانًا لا يعجب أحدًا. وكان يرى أن هذا أكبر وأخطر بكثير من أن يظل فنانًا لم يسمع به أحد. على الأقل، كان مرتاحًا مع كونه فنانًا لم يسمع به أحد وقد إعتاد ذلك أيضًا. إننا نعطي تعريف تحليل لشخصياتها من قبل: انا طيب، انا طباخ ماهر، شخص عفيف، محترم.. ونتجنب الحالات التي تحمل إمكانية اتضاح ما يخالف هذه التعاريف ونظل عاجزين ان نجرب او نخرج من دائرة التحليل هذه لاننا نخاف من كسرها وتشوهها. بهذه الطريقة فإن وصف انفنسنا بصفات ثابتة قد يكون خطرًا لانه يجعلنا نتجمد داخل دائرة ثابتة .. ينصح الكاتب بقوله: لا تحث عن نفسك، لا تجدها ، لا تعرف من أنت ،، لانها اشياء تمنعك من الاكتشاف .. كلما كانت الهوية التي نختارها لأنفسنا أكثر ضيقًا وندرة ، كلما بدا لك أن كل شيء يمكن أن يهدد هذه الهوية. ولهذا السبب، فإنني أقول إن عليك تعريف نفسك بأكثر الطرق عادية، بل بأبسط الطرق الممكنة، وهذا يعني التخلي عن بعض أفكار العظمة عن نفسك: أنك شسخص ذكي الى حد فريد، أو موهوب على نحو متميز، أو جذاب إلى حد مخيف، أو ضحية بطريقة لا يستطيع الناس الآخرون تخيلها أبدًا. وهذا يعني أن تتخلى عن شعورك بالإستحقاق الزائد غير المبرر. 

مفارقة الفشل/ النجاح 

لدينا إعلام جماهيري يعرض لنا حالات النجاح المذهلة، لكنه يغطي الستار على الألاف من الساعات الشاقة التي قضاها الناجحون في التمارين أو الكد أو المصائب التي تعرضوا لها في منتصف الطريق. ولذا يظن الأغلبية ان طريق النجاح معبد بالورد ويتناسى أن الفشل جزء منه وتقود غريزتنا الى تفاديه. لكن لا يمكننا ان نكون ناجحين حقًا الا في الأشياء التي نحن مستعدون للفشل فيها. اذا كنا غير مستعدين للفشل فإننا غير مستعدين للنجاح أصلًا. وهذا ليس وحده ما حدد خوفنا من الفشل. بل لأننا نركز على النجاح من ناحية انه هدف ثابت وليس قيمة أسعى لإكتسابها مثال:  هدف أن يكون زواجي سعيدًا.  والقيمة التي من الأفضل ان أسعى لها هي تطوير حياتي الزوجية أو الصدق في حياتي الزوجية.. الخ!. يجب أن نختار قيمًا مستمرة، فحتى مع تحقق الهدف نحافظ على شعور جيد اتجاه انفسنا والفشل لن يكون في طريقنا. 

أن كان شراء بيت وسيارة جيدة مقياسًا للنجاح. ثم أمضيت عشرين عامًا في عمل مرهق حتى تصل إلى هذا المقايس، فلن يظل هذا المقياس مفيدًا لك في شيء بعد ان تشتري البيت لأنك بحاجة الى فرصة تدفعك لمواصلة النمو والتطور.. وهذا النمو هو الذي يدفعنا للشعور بالسعادة وليس الوصول للهدف بذاته 

مبدأ إفعلًا شيئًا ما

إذا جلست وبدأت تحدق في الجدار لحين انتظار لحضة الهام أو حماس اتجاه ما تريد ان تفعله فهذا لن يحدث. ترك الكاتب وظيفته في في عمل بدوام كلي ليبدأ عملًا مستقلصا من خلال الإنترنت، لم يكن لديه فكره عما سيفعله وكان مفلسًا تمامًا بدأ الرعب يستولي عليه.. كان يقول لنفسه انه عديم المسؤلية عندما قرر ترك وظيفته بدوام كامل. أما الآن كان مسؤولًا ان يعلم نفسه تصميم المواقع، والتسويق على الإنترنت، وجعل محركات البحث مطابقة لحاجات البحث الفعلية إضافة الى مواضيع تقنية أخرى.. أسنتنج فكرة ان عليه أن يعمل لمدة ١٢ ساعة أو ١٤ ساعة في اليوم وهو زمر لابد منه للعمل وتذكر نصيحة إستاذه في الثانوية :”إذا وجدت نفسك عاجزًا عن حل مسألة فإياك أن تجلس وتفكر فيها وفي صعوبتها. بل إبدأ العمل على حلها. حتى إذا كنت لا تعرف ماتفعله، فإن مجرد العمل علي المسألة يؤدي إلى جعل الأفكا الصحيحة تأتي إلى عقلك”. استلزمه هذا الدرس ثماني سنوات حتى يدرك أهميته فنحن نفترض أن أن العمل لا يحدث الا من خلال حافز والحافز لا يحدث الا من خلال لإلهام عمل في المخطط التالي:

الإلهام >> التحفـــيـز >> الفعــل المرغوب فيه. 

تشعر انك غير قادر على فعل المهام/العمل اذا لم يتوفر لديك الحافز، وتفترض أنه ما من شيء تستطيعه إزاء هذا الأمر لكن الحقيقة أن الأمر غير مقتصر على الحافز فالعمل يخلق مزيدًا من الألهام والذي بدوره يعطي حافزًا 

الفــعـل>> الإلهام >> التحفيـز 

إذا كنت مفتثرًا إلى الحافز الكافي لإحدثا تغير هام في حياتك فافعل شيء ما .. افعل أي شيء.. ثم أجلعل ردة الفعل على ماقمت به وسيلة تبدأ تحفيز نفسك بها. “تعلمت سريعًا أن إرغام نفسي على فعل شيء ما، حتى إن كان ذلك الشيء مهامًا بسيطة جدًا، سرعان ما يجعل المهام الأكبر حجمًا تبدو أكثر سهولة بكثير. 

النهاية 

يُصنف هذا الكتاب على أنه كتب تطوير الذات، ولأني أحد متابعين مارك مانسون من خلال قائمته البريدية الأسبوعية فلم أتعجب من أسلوبه الساخر والمباشر. الكتاب جميل جدًا، وكنت أتوقع للساعة التي أجلس حتى يتسنى لي قراءته. والقصص التي طرحها أوصلت مفاهيمه التي ذكرها بكل سهولة. أنصح بالكتاب وتقيمي له ٥/٥ 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s