السماح بالرحيل – مراجعة كتاب

ديفيد هاوكينز طبيب إكلينيكي وعالم نفس هدفه الأساسي من الكتاب تقديم فكرة أستلهمها خلال عدة عقود من الممارسة النفسية السريرية وهو إيجاد وسيلة ذات فعالية في تخفيف معاناة البشر بجميع أشكالها وطور خلال ممارسته آلية “السماح بالرحيل” / “التسليم“. فيقدم مستويات الوعي، أو سلم ديفيد هاوكينز الشهير للوعي، والذي استند عليه بالمشاعر، فلكل درجة وعي هنالك مشاعر من المستويات الدُنيا إلى المستويات العُليا ( العار، الامبالاة، الأسى، الخوف، الرغبة، الغضب، الفخر، الشجاعة، القبول، الحب، الفرح، السلام..) 

الأشخاص المرتبطين بمشاعر ذات مستويات دنيا لديهم ترددات من الطاقة ذات ذبذبية دنيا، وقوة دنيا، وظروف حياة أفقر وعلاقات أفقر، وبسبب تدني مستويات الطاقة لديهم فهم يستنزفون الآخرين ومحاطين بأشخاص بنفس مستواهم الطاقي. ولكن مع تطبيق آلية السماح بالرحيل التي تعالج وجود هذه المشاعر وتكنسها وتسمح لها بالرحيل، سوف تتحرك الطاقة نحو المستويات العُليا حتى تصل لمستوى الشجاعة ومنها للأعلى مع زيادة في فعاليتها وتمرس بإتقانها سوف تجذب المزيد من النجاح والراحة و الوفرة. ونحن بالعادة نَصف الأشخاص المنطلقين والناجحين بأنهم أصحاب “طاقة عالية” وذلك لأنهم بالفعل لأنهم يحملون مشاعر ذات ذبذبات عالية مثل الحب والسلام ويَهبون الحياة لكل الكائنات الحية حولهم ويتركون بصمة إيجابية في حياة كل من يمرون بهم. (مثل الأم تريزا)

تأثير نظام الطاقة على الجسد 

ربط الكاتب وجود المشاعر المتدنية بالإصابة بعلة جسدية. فمستويات الطاقة المتعلقة بالمشاعر ترتبط إرتباط وثيق بمراكز الطاقة في الجسم التي يطلق عليها “شاكرات” والموجودة في عدة مراكز في الجسم ( شاكرا التاج، شاكرا العين الثالثة، شاكرا الحلق، شاكرا القلب، شاكرا الضفيرة الشمسية، شاكرة العجز، شاكرة الجذر) وأن كل شعور سلبي يُضعف أعضاء الجسد وبمرور السنوات تمرض هذه الأعضاء حتى تتوقف عن العمل أخيرًا. 

أيها الطبيب، إشفِ نفسك 

يشرح الكاتب بالتفصيل مراحل شفاءه والتعافي من العديد من الأمراض المزمنة ومنها الصداع النصفي، قصر النظر، التهاب الجيوب الأنفية، الكوليسترول وإلتهاب المعدة. فيدأ الفصل بقوله أن الفكرة هي “شيء” لديه طاقة وشكل وهذه الأفكار تتحكم بالجسد ولكي تُشفي جسدك، فإن أفكارك ومشاعرك تحتاج أن تتغير. وما يتمسك به العقل من أفكار يميل إلى أن يظهر في الجسد فيظهر المرض من خلال المشاعر السلبية المقموعة والمكبوتة بالإضافة إلى فكرة تعطيه شكلًا. ومحاولة تغير التفكير والغاء الفكرة بحد ذاتها تعتبر مضيعة للوقت والحل هو السماح برحيلها،  وبغض النظر عن مجريات الحياة وما يحدث لك من الضروري الحفاظ على النية العزمة لتسليم المشاعر السلبية عند ظهورها. عندما تسلمها تصبح حرًا لذا إتخذ قرارًا بزن الحرية أكثر جاذبية من المشاعر السلبية.  نحن نُسلم الشعور من خلال السماح له أن يكون موجودًا بدون إدانته أو الحكم عليه أو مقاومته، ننظر إليه ببساطة، نرقبه، ونسمح أن يتم الشعور به بدون محاولة تعديله ومع الإستعداد عن التخلي عنه فسيرحل.! 

المشاعر وطرق التعامل معها

إذا تمعنا في حياة الإنسان سوف نجد أن هنالك أسلوب بقاء طويل ومدروس ولابد من وجوده وهو التهرب من مخاوفنا الداخلية بسبب أنها تحمل كمًا كبيرًا من السلبيات التي نخاف أن نغرق بها، نخاف منها لأننا لا نملك آلية واعية يمكننا التخلص منها ومن آمالنا. الأفكار غير مؤلمة وإنما المشاعر المتعلقة بها وكل شعور وحيد يولد خلفه آلاف الأفكار خلال فترة معينة، وبمجرد أن نتخلص من الشعور فإن الإفكار ستختفي فورًا وننسى ما حصل. لكن الذي يحدث عند البشرية هو إتباع آليات تسبب مزيدًا من الصِدام والأفكار المزعجة ومن هذه الآليات

١– آلية القمع والكبت: وهي آلية نتخذها عندما لا نريد أن نزعج أنفسنا بمشاعرنا فضلًا عن أننا لا نعرف ماذا بإمكاننا أن نفعل بها؟ وعندما نكبت شعورًا يتم إنكار هذا الشعور في العقل وإسقاطه على سبب آخر وهذا الإنكار يُنشئء عقبات عاطفية، ويتفاقم ويسبب الشعور بالذنب والخوف فنحن نكبت السبب أو الشعور ونتجاهل وجوده داخلنا وبدلًا من أن نشعر به، فإننا نُسقطه على العالم. فيصبح لدينا أعداء نبتكرهم ونصفهم بـ “هُـم” .. هم السبب لما نحن عليه والنتيجة حروب وصراعات.

٢– التعبير: في هذه الآلية يتم التنفيس عن المشاعر والتعبير عنها من خلال لغة الجسد وإظهارها عن طريق مجموعة مظاهرات غير منتهية هذا الأسلوب ( التعبير) يسمح فقط بالتنفيس عن الضغط الداخلي ويقمع ما يتبقى منه. وعلى عكس السائد لدى الناس أن التعبير/ التنفيس يحررهم منها >> فهو بالواقع يزيده ويعطيه طاقة أكبر وثانيًا يقمع ماتبقى من مشاعر ويخرجها من مستوى الوعي.ودرج أستخدام التعبير بسبب سوء فهم أعمال سيغموند فرويد الذي أشار أن القمع يسبب عصاب. 

٣– الهروب : الهروب هو تجنب المشاعر من خلال الإلهاء، من خلال وسائل خاطئة ومجهدة وغير مجدية لحل المشاعر مثل التسلية بمشاهدة التلفاز ، والحديث، ولرسائل النصية والقراءة والعزف، والإفراط في تناول الطعام .. وفي آلية الهروب يحدث كبح للإبداع والطاقة وخسارة الإهتمام الحقيقي بالآخرين وزيادة في المشكلات الجسدية والنفسية. 

التوتر 

من وجهة نظر الكاتب يحدث التوتر نتيجة المشاعر المكبوتة والضغط المتراكم عنها، وليس بسبب العوامل الخارجية مثلما يظن الكثير وبهذا لا تكون الأحداث الخارجية إلا مُحفزًا لإخراج ما نحمله بداخلنا على المستوى الواعي واللا واعي. وهو عبارة عن إستجابتنا العاطفية لعامل أو مُحفز مُفاجئ، وما يقرره  نظام المعتقدات لدينا. والحل هو آلية السماح بالرحيل وكلما كنا في حالة تسليم أكثر، نكون أقل عرضة للشعور بالتوتر. فقد نحصل على نتائج عندما نتعلم تقنيات مثل استرخاء العضلات ولكن يجب أن نزيل السبب الكامن خلف التوتر وهو الغضب، أو الخوف، أو الشعور بالذنب.

آلية السماح بالرحيل 

السماح بالرحيل بشكل موجز وبسيط هو أن نستحضر الشعور، أن نشعر بوجوده وأن يكون موجودًا. استحضار اللحظة الشعورية المقلقة والغاضبة والمخيفة سواء كانت في الماضي أو تخشاها من المستقبل بكل ماتحمله من مشاعر ثم تتقبلها كونها حدثت وثم تسمح برحيل هذه المشاعر بكل ما يرتبط فيها. هُنا انت تكنس وتطهر الماضي وتضع مساحة ليتجلى لك الأفضل في المستقبل. قد تعود المشاعر مجددًا بعد فترة من الزمن هذا معناه انه توجد كمية كبيرة من الطاقة لم تخرج بعد لذا يجب أن تدأب على التخلص منها بإستمرار ، وعندما يحدث السماح بالرحيل تشعر بخفة وفرح كالإنتشاء تقريبًا. 

سوف يكون هناك مقاومة من السماح برحيلها ، بعضهم قد تشبث بالغضب وأصبح جزءا منه، بعضهم قد تشبث بالحسد، والبعض بالطموح والرغبة مثل رغبة الحصول على وظيفة أو منزل ، جميع المشاعر سواء حدثت أو لم تحدث يمكن السماح برحيلها وعندما يحدث خوف ومقاومة من رحيلها نبدأ برؤية هويتنا الحقيقية . استسلم ببساطة لشعور أنك عالق اسمح له ان يكون هنا ولا تقاومه. عندما نسمح برحيل الرغبة هذا لا يعني أننا لن نحصل عليها ولكن لن يكون هنالك مشاعر مكبوته مرتبطة فيها تسبب لنا يأس وقلق ولامبالاة . 

أن تُسلم يعني أن لا يكون لديك مشاعر قوية تجاه أمر ما ( يعني بالعامية تقول بالطَقاق)، سواء حدث هذا الشيء أم لم يحدث وتتحرر من الرغبة المهينة عليه، تسمح برحيل “التعلق”، تسمح برحيل الرغبات، وتصبح متحرر وفي غير الحاجة لتعتمد على أي شخص في هذا العالم 

الميزة التي تمنحنا إياها هذه الآلية هي أننا يمكننا أن ننفصل عن أية مشاعر في أي وقت وأي مكان فورًا بلا مجهود. 

عندما نسمح برحيل المشاعر السلبية نشعر بحال أفضل بسرعة، وتتغير فيزيلوجية الجسم وتظهر تطورات في لون البشرة، والتنفس وضربات القلب وكيمياء الدم. ويتغير إدراكنا لأنفسنا وللعالم من حولنا ونشعر بسعادة أكبر وحب أكثر. 

الميزة الأخرى هي التحرر من “التعلق”، التعلق أساس نفسي لجميع الأحزان ، كأننا نُخبر أنفسنا اننا غير مُكتملين الا بالشيء هذا.. التعلق تبعية وطاقة عاطفية مُستنزفه ، وجميع تركيزنا الي عليه يمنعنا من الخيرات الأفضل منه …قد تم ذكر التعلق في فصل الرغبة وفصل الحب. 

التسليم في دين الإسلام والديانات السماوية 

آلية السليم هي الية نفسية وتعني أن ان تُسلم أمرك لقوة أعلى منك تُدبر أمرك من حيث لا تعلم. وهذا ما نراه في معاني إسلامية كثيرة مثل “التوكل” (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق آية ٣. 

جميع الأديان وآليات السماح بالرحيل تشدد على الحب والمسامحة وتزكية النفس من الأحقاد وهذا ما تنطوي عليه آلية التسليم بالرحيل ومن خلال إزالة عقبات الحب ، تتوسع القدرة على حب الإله والذت والآخرين. وفي أعلى مستويات الطاقة، نجد طاقة الحب التي حث إسلامنا عليها. عن أبي حمزة أنس بن مالكٍ رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))؛ رواه البخاري ومسلم.

 فـ الحب يعني كيف أكون عونًا لك؟ كيف يمكنني أن أجعلك تشعر بالراحة؟ كيف يمكنني مساعدتك على الحصول على وظيفة؟ الحب هو التعامل اللطيف مع العالم ومع جميع الكائنات الحية. ومن الأفضل ان لا تخبر الناس بأنك تحبهم، لأنهم سيشعرون بالخوف ويظنون أنك ترمي إلى شيء أو تريد شيئًا منهم. جانب آخر من جوانب الحب هو “الصفح” يسمح لنا برؤية الحياة بعين شاكرة فناسمح أنفسنا علي الأخطاء التي قمنا بها عندما كنا أقل نضجًا ونسامح الآخرين وهي نفس واعية جدًا ومثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه لعبدالله بن سلمه أنه من أهل الجنة وعندما سُأل قال : {غير أنى أبيت كل ليلة وليس فى قلبى غلٌ ولا غشٌ ولا حقدٌ ولا حسدٌ لأحدٍ من المسلمين، قال: فبذاك}. ومن وجهة نظري أن الكتاب يقدم ألية متكاملة لفتح صفحات جديدة في الحياة من الحب والصفح والتخلص من التعلق. وهو كتاب متكامل بتجارب وحكم. 

سبب شهرة الكتاب في الوقت الحالي 

تزامن نشر الكتاب مع سبب إنتشار مفاهيم : الوعي ( التي ليست مثل تطوير الذات المألوفة) بل الوعي المتعلق بالأفكار وبالجذب ومن يقدمها مثل احمد عماره و سمية الناصر ..الخ!

وجهة نظري 

كتاب جميل للمتأملين في علم الطاقة والشعور ومن يطمحون للوصل لحالة الفرح والسلام الداخلي العالي…. 

تقيمي للكتاب ٥/٥ 

رأي واحد حول “السماح بالرحيل – مراجعة كتاب

  1. دلال كتب:

    أبدعتي عزيزتي الجازي 👍 مراجعه أكثر من رائعه.
    مراجعه لجميع المراحل التي قد تمر بها النفس الإنسانيه من تجارب قاسيه ومؤلمة تمنعه من المضي قُدماً في حياته تبقيه في دوامة اللوم والحزن واليأس. جميعنا نحتاج للسماح بالرحيل لكل شعور قد يعيقنا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s