بالون الشهرة

أن الشهرة بالونات منفوخة تطير في الهواء سريعًا تغرينا بألوانها، تجذبنا لنلتقطها، ظنن منا أنها ستعلو بنا. لكنها تنفجر مع الوقت او تتلاشى، أو تلحقها بالونات أخرى فتخفض تميزها. أو تُفقع لوحدها. لكن لا يضل بالوون الشهرة عاليا إلا من إنفرد بمجاله وتفوق به هنا، والآخر البالون الذي يحرسه الحفظ اللإلهي، لأن صاحبه أخلص في عمله وأرسله لله عز وجل وجعل نيته السبيل لرضى الله وحده، ولا شأن للأخرين بها. ومن جعل أعماله كسب الناس وتحصيل الشهرة، كانت أعينهم كالسهام للمرسلة تقضي على شهرته وتمزق رضاه بذاته.

في العصر الإعلامي اللذي نحن فيه ، بات موضوع الخصوصية أمر نادر فالجميع يتحدث عن حياته ويعطي الأخبار عنها، وبات الخبر من السهولة الحصول عليه، ومن السهل تتبع الشخص صاحب الخبر ، حتى الصحفيين اللذين يجمعون الأخبار باتت مهنتهم غير تلك الأهمية، وذلك لأن من يهمه خبر شخص ما يحصل عليه من الشخص نفسه، من يعنيه الخبر مباشرة، بوسائل عدة وأهمها التغريد والمحادثات الفورية. نجد الجميع يغرد عن حياته وان كان لا يوجد من يهتم بها، فهو يصنع معجبيه الخاصين ويصطاد متابعيه الأحرار، والجميع يلتقط الصور لحياته اليومية حيث يضهرها بالشكل الذي تليق به او لا تليق بتاتًا، وإن كان هذا العالم الذي يخلقه عالمًا مزورًا ومثاليًا إلى درجة ما فهو يجد المتعة في إضهارها وخلق الضجة عليها ليمثلها أمام الناس، أين أصبح؟ وأين امسى؟ ماذا تناول ؟ مايعجبه وما يكرهه؟
السؤال لماذا بات موضوع الشهرة الإعلامية للرقمية مؤرقًا ومقلقًا إلى هذا الحد؟ وكيف تصل الحالة بالمتابعين للشغف بمتابعيهم؟
أولاً موضوع الشهر قد يحصل للشخص بالصدفة إما عن طريق براعته في أمر فاق نظرائه، وبالصدفة قد أكتشف موهبته فيه واستطاع من دون جهد تجميع عدد كبير من المتبعين، أو عن طريق خوضه في الإعلام الرقمي وكان هدفه هو إكتساب الشهرة، أو وبكل بساطة بتفاعله التام ومع الوقت أستطاع أكتساب أكبر عدد ممكن من الأصدقاء. والسؤال هنا لماذا يحب الآخرين الشهرة؟ او لما يتلذذون به؟ لأن هذه الشهرة تخلق لهم عالمًا منفصلا يشعرون من خلاله بالأهمية والقيمة العالية التي تزداد بعدد المتابعين كما تعطيهم مستويات عالية من إثبات الذات ، وان كانوا أصحاب رسالة فهم يسعدون بأن رسالتهم وصلت لعدد كبير من المتابعين.
سؤال آخر: لماذا يستمتع المتابعين بمتابعة من يتابعونه؟ ولماذا وقع عليه اختيار المتابعه له دون غيره؟ دعونا نشبه ان كل شخص يقع ظمن دائرة خاصة، هذه الدائرة تعتبر عالمه ومحيطه وأفكاره، وعندما يعرف عن الآخرين شيئًا ويتابعهم فهو يكتسب متعة في الخروج من دائرته الشخصية والدخول في دوائر الآخرين، ليس فقط لكي يشغل فضوله، بل لأنه كما الذي يستكشف ويعرف أكثر وان كان ما يتعرف عليه بالغير المهم، كما أنه ان كان يشعر بالمملل فدخوله دوائر الآخرين تعتبر سياحة يشبع ناظريه وينسيه همومه، فهو ما ان قرر الدخول إلى دائرة شخصٍ ما أي متابعته فهو حينئذ ترك عالمه وسرح بعالم الآخر، لا يفكر بما حدث له اليوم لأنه مشغول بما حدث لحياة الآخر، وقد تكون هذه العملية في ثواني إلا انها مريحة لا تتسم بالتعقيد واشغال الذهن، لذا فمعدل دخولنا في هذه الدوائر يزداد في حالة الملل، ويزداد عدد من نتابعهم ان كنا نشعر بالنقص فهم يملئونه لنا، وما يحفز الدخول في دائرة شخصٍ ما ومتابتعه دون الآخر هو أن دائرة الأول مزكرشة وملونة تمتعنا حياته وتفيدنا أفكاره دون الآخر، أيضًا المُتبوع المضحك أهم من المتبوع الفيلسوف؛ لان المتابعين يحتاجون الضحك وكميات من السعادة أكثر من أي موضوع آخر!

وهنا أصبح الكثير ينادون بالدخول إلى دوائرهم ويصطنعون ما بها لجذب المتابعين، فوجدنا الكثير من التكلف، يتكلف الحكمة ويتكلف الدعابة، وأن جئنا للتصوير والمصورين صار ٨٠٪ منها تكلفًا، وإلا لما صار عالمًا افتراضيًا مثاليًا تظهر ماتوده وتخفي ما لا تريد، لان أنكر ان هنالك الكثير من البساطة ومن لا يكون همه أبدًا جمع المتابعين بل هو يمارس هوايته فقط. ونصيحتي لك هنا عليك أن تختار البساطة والعفوية وليس التكلف والتهويل والتفخيم. فالحياة ليست منافسة. بل أن أن تعرف أنه لايجب عليك أن تثبت أي شيء لأي شخص؛ فأنت غير مضطر لتصوير الكتب لتخبر الآخرين عما تقرأ. ومن كان اثبات ذاته هو في إرضاء الناس فعليه أن يدرك ان رضى الناس غاية لا تدرك. فأصبح الناس يتكلفون المظاهر ليس لأجل انفسهم بل لأجل الناس ولا يستخدمون الزينة لأنفسهم بل لأجل أن يراها الناس وهذه قد تكون أمور معتاده حتى وصل بهم أنهم لا يشترون لأجل أنفسهم بل لكي يرُوها للناس، لا يأكلون لأجل أنفسهم بل لأجل الناس، وهنا قد أكون مبالغة ولكن قد نصل إلى ذلك ان لم نتوقف فسوف نُجر بإنخداعنا. ونحن لكي نكون أيجابين فلا يجب علينا ان نهتم بأمور مثل سطحية مثل صيحات الموضة، وفنون الإتيكيت، والتقديم بالأكواب الفاخرة ؛ لأن كل هذا ليس إلا واجهة للشخص مع انك قد تعتبرها مهمة! إلا أننا اذا بالغنا فيها قد نتكلف وقد نتجاهل أمور أكثر أهمية منها.

لا شك أن التقديم الجيد والظهور الحسن يجعل حياتك أكثر سعادة. ولكن لا تتعلق السلوكيات القويمة بالمظهر وعدم خرق القواعد فأنت لن تحصل على التقدير الكامل بذلك، بل عليك ان تجعل هدفك في الأسلوب والسلوك اللائق، وعليك بمراعاة مشاعر الآخرين وسوف يقدرونك تلقائيًا نتيجةً لذلك.
وهنالك دوافع تحركنا في مبادرة كل خطوة، ومنها الدوافع القصيرة المدى التي قد تكون في تحصيل الشهرة، أو اتقان عمل من الأعمال، او احتراف حرفة، وهذه الدوافع القصيرة غالبًا ما تنتهي بالمرء بتحقيقها وهي ليست بتلك السهولة التي يعتقدها البعض فهي تتطلب عمل دؤوب وصبر أيوب، وبعد أن يحققها يتسلل الملل إلى قلب صاحبها.. باحثًا عن هدف آخر يحرك دوافعه. أما الدوافع التي سوف أطلق عليها الدوافع الكبيرة وهي ما أرجوا من الجميع أن يتمسك بها وهي دوافع طويلة المدى ومنها أن نوجهه إهتمامنا لإرضاء الله في كل خطوة وكل عمل، وأن نجعل أعمالنا خالصة لوجهة الله الكريم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s